في الذاكرة اللبنانية والعربية، قلّما نجد حكاية تشبه تلك التي جمعت فيروز بابنها زياد الرحباني: أمّ وابن، سيّدة الصوت ورجل التمرّد، حنان الأصل وحدّة القطيعة، شراكة كانت كالوَجَع الجميل الذي لا نريد له أن ينتهي.
دخل زياد الرحباني إلى عالم فيروز من بوابة الحبّ قبل أن يكون الفنّ، فكان أول لحن له لها “سألوني الناس”، وهي تغنّي على المسرح حنينها إلى عاصي الغائب، بينما كانت الدموع تخونه خلف الكواليس. لم يكن زياد يريد أن يكون ظلّ أبيه، بل مشروعه الخاص، فدخل من أصعب الأبواب: أن يكتب لأمه، التي أحبّها الملايين، أغنيات تمزّق صورتها النمطية… وتمنحها حياة أخرى.
أدخلها إلى الشارع، إلى صوت المقهى، إلى أسى المدينة. جعلها تغنّي الخذلان والتناقض، وتقول كلمات لم يكن أحد يجرؤ على أن يتخيّلها على لسان “جارة القمر”. من “صبحي الجيز” إلى “كيفك إنت”، من “مش كاين هيك تكون” إلى “في واحد هو ومرتو”، لم تكن فيروز فقط تغنّي، بل تُعيد اكتشاف نفسها في مرايا زياد المكسورة.
لكن هذه الشراكة، التي أنجبت أجمل ما في الأغنية اللبنانية الحديثة، لم تصمد أمام صراع داخلي عصف بالعائلة. كانت دلال كرم، الصحافية الشابة التي التقاها زياد في كواليس مسرحية “ميس الريم”، هي الشرارة التي فجّرت خلافات صامتة. أحبّها بجنون، وتزوّجها رغم معارضة والديه، خاصة فيروز، التي شعرت أنّ هذه المرأة لا تشبه ابنهما ولا بيتهم الفنّي.
تفاقمت الخلافات، وبدأت التوترات بين زياد ووالدته تنعكس على المستوى الفني. لم تعد فيروز تسجّل من ألحانه، ولا يظهر اسم زياد في ألبوماتها الجديدة. ومع اشتعال قضية النسب لاحقًا، التي أنكرت فيها دلال أن يكون زياد والد ابنها “عاصي”، انهارت العلاقة على كافة المستويات، ليقرر زياد الانسحاب… لا من حياة دلال فقط، بل من حضن فيروز نفسه.
وبرغم كل الجروح، لم تنكر فيروز يومًا عبقرية زياد. كانت تقول عنه: “أنا أغنّي له كأنني أغنّي لكبار الملحنين، لأنه واحد منهم”. أما زياد، فلم يتحدث كثيرًا عنها لاحقًا، وكأنه اختار أن يُحبّها بصمت، وأن يحميها من قسوة كلماته، تلك التي لم ترحم أحدًا.
وفي لحظة نادرة جمعت الأسرة مجددًا في ذكرى عاصي، ظهر زياد إلى جانب والدته وشقيقته ريما وشقيقه هلي، في صورة بدت كمشهد أخير من مسرحية قديمة، حيث الحب لا يُقال، بل يُفهم من نظرة أو دمعة أو تنهيدة.
لقد غنّت فيروز زياد، فكانت تلك ذروة الصدق. وكتب زياد لأمه، فكانت تلك ذروة التحدّي. وبين الصدق والتحدي، سكنتنا حكاية لم تكتمل، لكنّها ستبقى في وجدان كل من عرف ماذا يعني أن تكون أماً… وأن تكون فنّانة… وأن تكون، ببساطة، فيروز.
رحم الله زياد الرحباني، ذلك العقل المتمرّد والقلب المحارب، وألهم السيدة فيروز، ريما، وهلي، وكل محبّيه، الصبر والسلوان.