سيدنا موسى عليه السلام كان نبي الله وله اليقين التام بأن من بعثه سيقوم بنصره، ولكن هذا لم يمنعه من طلب مؤازرة اخوه هارون عليه السلام، لأنه أفصح منه لسانا وأبين بيانا وأوضح نطقا.

قوله سبحانه تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ. اية 34 صورة القصص.

ما أكدته الآية الكريمة يدل على أهمية المؤازرة والوقوف بجانب الشخص لتعزيز وتقوية ثقته وإن تطرقنا لشرح الآية الكريمة سنبين من خلالها انها مرجع لتحصين مهنة الدفاع:

أفصح مني لسانا: أي أقدر على الكلام وأحسن بيانا وأوضح نطقا لأن موسى عليه السلام كان في لسانه صعوبة.

ردءا: عونا ومعينا ومقوي لأمر.

يصدقني: يبين للناس الحق ويؤكد صدق ما يقوله ويدعم حديث موسى امام فرعون وقومه.

إني أخاف أن يكذبون: أي يخشى ألا يستطيع ابلاغ الحجة كاملة بسبب صعوبة النطق فيردوه ويكذبوه.

أبسط ما قدمه لنا سيدنا موسى هو جميل الاعتراف رغم انه نبي من الله ولم يمنعه ذلك من الاعتراف بفصاحة أخيه هارون وحجته امام فرعون وقومه وطلب معونته دون أي تكبر او غيرة، هذه الآية توضح وتبين انه ليس كل من معه الحق يستطيع الدفاع عليه، إنما يجب عليك الاستعانة والاختيار من يستطيع الدفاع عن هذا الحق وإلا سيضيع، وعلى من سيدافع عن هذا الحق يجب أن يكون قويا صاحب عزيمة وإرادة فصيح اللسان سليم التعبير والبلاغة والمجاز والقياس قوي الحجة والبيان والدليل شخص ذو نباهة وفراسة يعرف متى يرتجل وما يقدم وما يأخر شديد المقارنة، هذا ما نريده في من يدافع عن قضايا المواطنين. وليس ما يريده قانون 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة دفاعا لينا، مطيعا، منزوي، خائفا، دون جرأة قانونية ولا واقعية، وهذا ينعكس على التقاضي والمتقاضين بصفة عامة وعلى البلد وهذا مالا نريده او نرضاه لبلادنا الحبيب.

لن اناقش قانون المهنة الجديد ككل، سواء ما تعلق بالمساس باستقلالية المهنة او العيوب الانتخابية او تقليص المهام والهشاشة على مستوى الرقابة وغيرها، وإنما سأكتفي بمناقشة حصانة المهنة وهذا الجزء كافي بنسفه نسفا وإزالته من الوجود، لي شرف الدفاع عن هذه المهنة النبيلة برغم من انها لا تحتاج من يدافع عنها لأنها رسالة كونية ولي شرف الانتساب اليها، والاحترام الواجب لكل مؤسسات الدولة.

من خلال ما جاء في قانون 66.23 المتعلق بقانون مهنة المحاماة في بابه الخامس من القسم الأول المتعلق بحصانة الدفاع في المادة 78 في فقرته الرابعة: تحرر المحكمة محضرا مستقلا يتضمن بيانا مفصلا بما قد يصدر من المحامي أثناء الجلسة من سب او قدف او إهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة او يعطل استمرار اشغالها، تحيله الى النقيب والى الوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانونا.

اثناء صياغة النص توجد الكثير من الإشكالات التي حذر منها اهل الاختصاص وهي المخاطر المحتملة على المواطنين والمتقاضين وكذلك على استقلالية الدفاع وحصانته.

وظف المشرع عبارة أي فعل يخل بنظام الجلسة، هذه العبارة مطاطية وقابلة لتأويل وحمالة أوجه وعامة جدا غير محددة، ما المقصود بالفعل المخل بنظام الجلسة وهذا ما يسمح بتفسيرها تفسيرا واسعا، ولا يفوتنا ان نطرح بعض النقط هل سيعتبر المحامي مخلا:

-        ان احتج المحامي على اجراء.

-        اعتراضه على سلوك المحكمة.

-        تعبير عن موقف معين بطريقة معينة لتوضيح رأيه.

-        تمسكه بحقوق موكله.

-        تمسكه بتسجيل نقطة معينة في محضر الجلسة.

-        انتقاد مؤسسة النيابة العامة باعتبارها خصم شريف في الجلسة لعدم احترامها للإجراءات الواجب اتخاذها.

هل المحامي محمي من رقابة المحكمة وهل حصانة الدفاع مكفولة واستقلاليته مضمونة من بداية الجلسة الى متم نهايتها.

المحامي اثناء مرافعته قد يستعمل عبارة قوية في نقد اجراء قضائي او اثناء مناقشته لحجة او قرار، هل سيكون مطمئنا وهو يرافع عن قضايا المتقاضين، والخطر الأكبر هو أثر هذا النص على المواطنين الذي ينوب عنهم المحامي، إذا كان المحامي يخشى اعتراضه القوي الى تحرير محضر وإحالته إلى جهات أخرى فقد يصبح أكثر تحفظا في إثارة بعض الدفوع او الاعتراض على الإجراءات، وهذا ما لا نرضاه لا على مؤسسة الدفاع ولا على حقوق المتقاضين والأثر الذي سيرتبه في الدفاع الفعلي والمستقل.

المشرع أعطى دورا كبيرا للمحكمة في تحرير المحاضر، فمن هو الذي يمكن أن يحدد أن العبارة إن كانت إهانة أو سبا أو قذفا، وبهذا يتحول المحضر إلى وسيلة للتجريم أو المعاقبة عن المرافعة أو موقف يخص قضية معينة، والنص بدوره ينص على إحالة المحضر إلى جهتين، مؤسسة النقيب والوكيل العام للملك، وهذا يستدعي متى تكون الواقعة مسالة تأديبية ومتى تكون جريمة حتى لا يتعرض المحامي في نفس الواقعة إلى مصيرين.

غياب ضمانات المحامين في هذا النص، أين هو حق المحامي في الاطلاع على المحضر أثناء الجلسة والاعتراض عليه، وكذلك فيما يخص دفاعه بسبب ما نسب إليه اثناء المناقشة والوقائع المسجلة عليه وتمتيعه بقرينة البراءة.

المحامي يحتاج إلى هامش من الحرية حتى يتمكن من الدفاع عن موكله، خصوصا عندما ينتقد إجراءات أو يثير التجاوزات الظاهرة أثناء الجلسة، لذلك فإن الصياغة واسعة جدا قد تؤدي إلى تخوف المحامين من ممارسة دفاعهم بصورة قوية، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على حق المواطن في الدفاع.     

 

من اعداد أستاذ: عبد الرحمان اميح محامي متمرن بهيأة الرباط