بقلم أنوار حدوفان/ أستاذ التعليم الابتدائي
طالب بماستر الدين، الثقافة و الهجرة – جامعة محمد الخامس الرباط
مقدمة
ما يلاحظ اليوم أن الدول المستقبلة للمهاجرين تغير سياستها في مجال الهجرة تبعا لأسباب متعددة منها الاقتصادية و السياسية و الديمغرافية و الاجتماعية، فقد اتجهت نحو نهج سياسة انتقائية للمهاجرين و لم يعد باب الهجرة مفتوحا للجميع. و قد تزايد الخطاب المناهض للهجرة بتصاعد اليمين المتطرف. لما سببته حسب أطروحتهم إلى اختلاف في المبادئ و الخلفيات الثقافية للبلاد بالرجوع إلى قيم العلمانية، فهذا الاتجاه السياسي يدافع عن أطروحته بشيطنة المهاجر و منهم المسلمون.
كما أن بعض المفكرين الفرنسيين ينظرون إلى الهجرة من منطلق هالة و يطرحون أسئلة عديدة، فالفرنسي Héron François المهتم بشؤون الهجرة يقول (يؤثر نصيب من الساكنة المهاجرة في النمو الديمغرافي الفرنسي بشكل لا يمكن إنكاره. و أن الاختلاط قائم و مستمر و لا يمكن إيقافه). و إن كان (مستقبل الهجرة هو مستقبلنا)، فإن السؤال المطروح لا يكمن في مدى استجابتنا لهذه الهجرة، لكن في تحديد أفضل طريقة لتحقيقها.
لا يمكن الحديث عن الهجرة دون الغوص في تجربة المهاجر الخاصة في بلد الهجرة و التي تتحدد أساسا بثقافته التي توارثتها الأجيال في بلده الأصل و تلك التي تعرف عليها في السياق الجديد مما يؤدي إلى حدوث التفاعل بينهما أثناء الإقامة، حيث تتبلور شخصية المهاجر المثقلة بتراكمات منها على الخصوص التقاليد و العادات و الممارسات دينية. و يشكل الديني (le religieux) نواة يحاول أن يحصنها المهاجر بكل أشكال التفاوض الممكنة ضد ما يعتبره في قاموسه بالاستيلاب الثقافي، مما يجبر على اختبار أساليب يمكن وصفها باستراتيجية التفاوض مع واقع الهجرة. و هذا يحتم عليه نوعا من المقاومة إن صح التعبير و كما يفرض عليه الدفاع عن هويته الدينية و عن المقدس في ثقافته الأصل الذي يمكن أن يختلف تماما عن بلد الإقامة.
كلمات مفاتيح : الهجرة، النوع الاجتماعي، الديني، التدين، واقع الهجرة، التحول الديني، الإسلاموفوبيا.
الإشكالية
إن القلق النفسي الذي يحس به المهاجر في بلد الهجرة يمثل بالأساس الجانب الانفعالي و الوجداني لشخصيته. فقد أضحى الوطن الذي يسكنه غير ذلك الذي يسكن وجدانه و تلك القوانين التي رسمها بلد الإقامة تناقض في بعض الأحيان ما كان يأمله أو يمني نفسه التمتع به من رغيد الحرية و الاستقلالية بعيدا عن الكراهية أو العنصرية المقيتة التي قد يتعرض لها.
لا يمكن أن تصل الممارسة الدينية التي عهدها في بلده الأصلي إلى مرحلة من المماثلة ببلد الهجرة. لذلك لن تندهش بتاتا عندما تجد المهاجر يتسابق لأداء فريضة الحج بمكة المكرمة أو أن يفضل قضاء أيام العيد ببلده الأصلي خصوصا إذ تلك الفترة مع العطلة الصيفية. فهو يحرس على ممارسة شعائره الدينية بشكل يومي أو موسمي.
فعودة « الديني » إلى الحياة العامة أصبح مصدر قلق و تساؤل من طرف الباحثين، فمنهم من يرى أن انتصار الديني مرده إلى فشل التحليل النفسي كما ذهب إلى ذلك جاك لاكان Jacques Lacan و بل يؤكد على أن الدين ينتصر على أشياء أخرى. أو الحديث عن صناعة الدين في زمن العلمانية التي تحاول تغيير النظرة إلى العالم. أو حتى إثارة صراع الحضارات بناء على الاختلاف الثقافي بين البشر مع المنظر .
أولا : الهجرة و النوع الاجتماعي
تختلف وجهات النظر التي تتناول موضوع الهجرة، و يعد النوع الاجتماعي وليد اللحظة و يمدنا بتفاصيل قد تكون مفيدة في بعض الأحيان و أكثر دقة. فالهجرة باعتبارها قرارا قبل أن تكون مسارا من ضفة إلى أخرى. يحضر النوع سواء تعلق الأمر بالمهاجر(ة) الأنثى أو الذكر، الشاب(ة) أو الراشد(ة)، المطلق(ة) أو الأرمل(ة). كسمة رئيسية تجسد رؤى مختلفة و روايات متباينة و بالتالي تجارب شخصية فريدة. لكن ما يهمنا في هذه المقالة هو التطرق إلى مسألة غاية في الأهمية و هي ارتباط النوع الاجتماعي بالهجرة. و هل الهجرة طاردة أو جاذبة للنوع الاجتماعي ؟
في عالم الهجرة اليوم ستجد أن أسهم الهجوم توجه أساسا إلى الشباب الذين يحملون آمالا تصدم بواقع مختلف تماما عن قيمه و يفرض عليه شروطه، فهو كائن ثوري لا يعلم عواقب أفعاله لذلك ستجد أن الأعمال التخريبية بعد الاحتجاجات الشعبية هنا و هناك هي من صنيع فئة الشباب و الذين يسكون في محيط الضواحي (les banlieues) بعيدا عن المركز. فالمجتمع الفرنسي يرفض رفضا عنيدا تغيير بنتيه، فحتى إن قبل اندماج المهاجرين فهو يشترط عليهم الانسلاخ من هوياتهم الأصلية. فعزلهم في ضواحي لها حدود ثقافية و جغرافية يؤكد مفهوم هذا الاندماج.
كما أن الهجوم نفسه وارد ضد المرأة وخصوصا القادمة من بيئة لازالت محافظة و تخضع لتقاليد المجتمع. فهي كذلك تعتبر غريبة عن المجتمع الحاضن و تعيش نوعا من التمييز المجتمعي (distinction sociale) بسبب لباسها إن كانت مسلمة أو لون بشرتها. فالتهميش الذي يتعرض لها الشباب خصوصا يؤدي لا محالة إلى عودة « الديني » كرد فعل تلقائي ضد التهميش السوسيواقتصادي و العنصرية. حيث يسمح الدين بالانصهار في مفهوم الجماعة و الخروج من التقوقع حول الذات. فالإسلام باعتباره مؤشر للانتماء الهوياتي (Vecteur identitaire) يتنامى على الخصوص في المناطق المأهولة من طرف المهاجرين و هو يرمز إلى الإحساس بالقرب من ثقافة المجتمع المصغر الذي يعيش فيه من جهة و إلى ثقافة بلده الأصلي من جهة ثانية. غير أنه يمكن القول كذلك أن توجه الأجيال الجديدة من المهاجرين إلى دين المرتبط بهويتهم الأصلية يؤشر على بحث وجودي مستمر لإثبات الذات و تحديد مسار مماثل لما هو قائم في المجتمع الغربي. فكلمة أخي (mon frère) ككلمة سر و التي يرددها المسلمون فيما بينهم تحيل إلى رابط اجتماعي رمزي يتحايل على مفهوم المواطنة الذي تحاول الدولة أن تفرضها. و هو كذلك يبرز عبر التضامن العضوي بين أفراد المسلمين خلال أي ورطة أو مأزق قد يقع فيه المهاجر في حياته اليومية إنه نداء إلى فرد من نفس العشيرة يطلب المساعدة. و يفرض ذلك أيضا على الآخر أن يقابله بالقبول و مد يد المساعدة.
إننا أمام مشهد بعيد كل البعد عمّا يسعى المجتمع الغربي إليه من خلال قيم اللائكية التي تدعو إلى المساواة بين المواطنين و التزام الحياد. يقف السياسي في اتجاه فرض الأمر الواقع على المتدين بمنع إظهار الرموز الدينية في الأماكن العامة و على الخصوص في المؤسسات التعليمية. فتجد الفتاة التي تضع « غطاء الرأس» أمام وضعية تحد من حريتها و استقلاليتها. فهي مجبرة عندئذ للمناورة أو تقبل ما هو كائن لأن سلطة السياسي لم تعد محط نقاش عمومي بل هو أمر ينزل على أرض الواقع رغم الاحتجاجات والتظاهرات التي يمكن أن تقع.
نميز في سياق الهجرة مسألة وضع « غطاء الرأس » (le port du foulard) إلى ثلاث أصناف؛ الغطاء التقليدي (Le foulard traditionnel) و غطاء المراهقين (Le foulard des adolescents) و الحجاب المزعوم (le voile revendiqué) . و لكل صنف له سياق خاص يحدد التشبث بارتدائه. فالصنف الأول يرجع إلى قناعة نابعة عن استمرارية للتقاليد. أما الصنف الثاني فيعود إلى الإقرار بالانتماء هوياتي وإلى اتفاق مبدئي مع الأسرة و أيضا لصد تحرش الشباب. أما الصنف الثالث فهو بمثابة اختيار شخصي. و يرى الدكتور الجامعي و الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري أن الصراع القيمي في حد ذات يُعَبِّرُ عن التوليف و الترميق (montage et bricolage). و قد وضح ذلك لاعتبارات عدة منها استعمال غطاء الرأس لتجميل الجسد (إخفاء بعض العيوب) أو كاستراتيجية للزواج أو الخضوع لسلطة الأخ الأكبر Big Brother.
فيما يؤكد الباحث الفرنسي أوليفيه روا أن الهجرة تغير من الحياة الدينية و تميِّعُ الهوية. نظرا لغياب لسلطة دينية إسلامية في بلاد المهجر تستطيع الحكم بما هو معيار. بالإضافة إلى استحالة إلزام حقوقي على قدر استحالة الضبط الاجتماعي. فالمهاجر باعتباره فاعلا اجتماعيا في عالم الهجرة ينساق بالذات إلى قواعد اللعبة و قوانينها. فيصبح أمام خيار الضرورة أمام الحرية. لذلك هو يمارس استراتيجية كما يؤكد ذلك بيير بورديو على أنها « إنها نتاج الحس العملي باعتباره حس اللعبة» و قد ينسحب المهاجر من اللعبة إن وجد أن الرهان لم يعد مضمونا و إذا لم يتقيد سوى بتلك المعايير التي توافق ثقافته و لم يخضع لعدد كبير من القوانين فيصبح كائنا مستحيلا تماما في مجتمع الهجرة.
فالجسد يعمل على طريقة منارة حدودية ليُعَيِّنَ حدود حضور الشخص تجاه الآخرين. كما تعمل الحدود التي ترسم حدود مناطق نفوذ الدول و المناطق المتنازع عليها. فالوجه باعتباره جزء من الجسد هو الجزء الأكثر فردية و الأكثر خصوصية و لا نستطيع التعرف على الإنسان بالعين المجردة إلا من خلال ملامح وجهه، حيث نستكشف تفاصيلا تشير إلى معايير محددة مسبقا مجتمعيا عن نمط التدين. فقد أسس مافيزولي مفهوم الشكلانية و استلهمها من فكرة الشكل عند زيميل. و هي تتركز في إعطاء أولوية للمظهر، أي للظاهر الاجتماعي. فالشكل هو مصدر كل الظواهر الجمالية المؤطرة لثقافة ما بعد الحداثة. فالشكلانية تحدد للأشكال الاجتماعية منطقها الخاص منطق يثمن الجسد و الصور و المظهر الخارجي.
فالجسد بمثابة ملكية خاصة كما تم تصوره في العصر الحديث. أو كما يسمى بالجسد الخالص (Corps propre) و جسدي (Mon corps). فعندما تصبح علاقتي مع الجسد من منظور الخطأ و الصواب، فآنذاك لم أعد أثبت وجودي عبر اختلاف جسدي عن جسد الآخر. بل صار جسدي ملكية عامة للمجتمع بالتالي فينبغي علي أن أحترم الوعي الجمعي و أن أنصاع لقوانين المجتمع وقواعده. فإن كان المجتمع يعتبر الوشم ممنوعا أو وضع قرط في الفم أو وضع حجاب ممنوعا و مخالفا لتقاليد المجتمع فما علي إلا الخضوع التام للجماعة. فعلامة الجسد تصبح في محور المواجهة بما هو مسموح به مجتمعيا. فالدين يعاش كتجربة و ليس كثقافة أو قانون وضعي فارتداء الحجاب يمكن وصفه ب «شهادة الإيمان» بحكم أنه واجب على المؤمنات.
ما يطرح السؤال حول أهمية النقاش حول الحجاب أو بعبارة أخرى حول جسد المرأة. ألن تكون المرأة حداثية إلا إذا لم تكن ترتدي غطاء الرأس ؟ أليس هذا الانشغال بالمرأة مرده إلى الهيمنة الذكورية الواقع في المجتمعات الغربية و التي تلبس لبوس الحرية و التحرر و الدفاع عن المرأة ؟
ثانيا : الديني يؤسس للتفاوض مع واقع الهجرة
لا يرسم المتدين في ذهنه حدودا للممارسة تعاليم الدين الذي يعتنقه فهو يعتبر ما يؤمن به من مقدس لا يعلو فوق القوانين الوضعية التي سنها البشر بل يدافع بشراسة عند حدوث على أحد رموزه الدينية. و قد شكلت الرسوم المسيئة للنبي محمد فيما سبق إحدى التجاوزات و التي كانت تحت مظلة الحرية. فيدعونا التساؤل : هل كانت بدافع استفزاز مشاعر المسلمين أم أنها ممارسة عادية في مجتمع علماني ؟
و قد أثير النقاش من جديد حول الحرية في المساس بالمقدس خلال افتتاح الألعاب الأولمبية الأخيرة بباريس. إن المسألة التي أقلقت المسيحين هي إعادة تجسيد و شخصنة العشاء الأخير في صورة مسيئة للمسيح من جهة و إلى معتنقي المسيحية من جهة ثانية. فهل صار حضور الديني في عالم اليوم يثير قلق الفاعل السياسي ؟
إن مشاعر الفرد المتدين تعتبر الوتر الحساس الذي يجعله يمضي في تأجج الأوضاع الاجتماعية و تدفع به إلى التظاهر من أجل رد الاعتبار للرموز الدينية و للمقدس. فالحركات الاحتجاجية التي كانت فيما مضى من أجل نيل مطالب اجتماعية أصبحت اليوم تتأخذ منحى مغايرا بحشد للديني في مواجهة التغيير الذي يبتكره السياسي و يدافع عنه. رغم أن السياسي في الأصل ولد من رحم المجتمع و عليه أن يرضخ إلى ما الاتجاه الغالب في المجتمع. فالمجتمعات الغربية أساسا قد مرت من سطوة التيولوجيا (اللاعقلانية) إلى سيطرة العقلانية. فالقرارات السياسية تتأخذ في كنهها توجهات منطقية استنادا إلى دراسات علمية، قد تغدق النقاش العام بالشعبوية أو بالمزيد من الاختلاف في الرؤى إلى حين الاستقرار على توجه يعتبره البعض نصرا للدولة الوطنية و للديمقراطية.
التضحية تحمل في ذاتها بذرة الخلط مع الحيوان، ذلك الخلط الذي يتسع مداه إلى ما بعد الإنسان ليشمل الألوهية، فالأضحية من صنع الله و البشر كذلك فبتقديم القربان يصبح الإنسان أكثر قربا من الإله. حيث يتقاطع الرمزي (الحيوان المضحى به) بالمتخيل (نيل التواب و إطاعة الخالق) كما ينتج المجتمع متخيلا ثانويا يظل ملازما للمتخيل المؤسس. فالمقدس يجمع بين مظاهر الاحتفال بقدوم فرحة العيد و مراسيم الذبح على الطريقة الإسلامية و القتل عبر إراحة الذبيحة بنحرها أو. فالمتخيل هنا أن القتل الرحيم لم يكن من أجل إفراغ الطبيعة من حيوان ما أي بإحداث ضرر ما بل هو طريقة للتقرب إلى الإله و كما أن الذبيحة التي ترمز إلى سبيل الله
لكن في سياق الهجرة لن يستطيع كل مهاجر المزج بين عملتي القتل و الاحتفال معا في يوم ما و عبر تلك الطقوس التي عهدها في بلده الأصل. بل يتجاوز ذلك إلى إحداث مراسيم مخالفة تماما يتداخل فيها أسلوب حياة غربي الطاغي. كما أن يوم العيد لا يعتبر عطلة للأجير مؤدى عنه.
فالبعد الطقوسي للدين لا يفهمه بالمعنى الضيق للإجراءات الشكلية أو كدين شعبي. لكنه يعرض في كل حدث ديني. فغنى الطقوس يعني تكرار العمل الرمزي عدة مرات في اليوم.
ثالثا : الديني، التدين و الدين في سياق الهجرة
عند معالجة مفاهيم مرتبطة بالدين كالتدين و الديني و المقدس و القيم الدينية … يحاول الباحث قدر ما أمكن أن يبقى أكبر قدر ممكن يقظا و موضوعيا حتى يتوصل إلى معرفة النظرة إلى الكون عند مبحوثيه بالقدرة على جعل تجربتهم الحياتية مفهومة و واضحة.
فعندما نبحث عن تعريف لمفهوم التدين قد نتيه في تعريفات عدة منها ما سماه عبد الغني عماد «الإيمان المعيش أو الطريقة التي يعبر بها المؤمن عن علاقته بالدين». أما الباحث الجامعي عبد الغني منديب فقد شمل التدين كل «الطقوس و المعتقدات التي يعتقد الناس أنها دينية و يتعاملون معها على هذا الأساس». فالتدين هي ممارسات ثقافية و اجتماعية مقدسة و غير قابل للدحض أو الانتقاد، و هي يومية كالدعاء و الصلاة، أو موسمية كرمضان و عاشوراء و المولد النبوي، أو ظرفية متمثلة في الختان والشعائر الجنائزية.
لقد أصبح « الديني» الوسيلة المحورية التي نستطيع عبرها تكوين نظرة حول العالم أو التاريخ. فمعاودة تأسيس العالم بناء على الديني بمثابة علاج وهمي كما وصفه الفيلسوف الذي أسلم رينه غينون Guénon. فيما اعتبرته الفيلسوفة حنة آرندت ب«أزمة الثقافة» أي أزمة فلسفية و جوهرية. فالديني يشكل الذاكرة الجمعية للمجتمع و يؤدي دور الموجه و المنظم للعلاقات بين أفراده، و ليس بالهين ربط الديني بمآسي المجتمع و الحديث عن أزمات أو ثورات قد حدثت لم يكن للديني مقترنا بشعارات أو كقوة دفع لإشعال فتيل العنف. فهو ناتج عن منظومة تفسيرية للعالم يصدم بجانب آخر من الغريزة البشرية و هو الجانب التنافس الغرائزي من أجل نيل أهداف أكثر قيمة مجتمعيا كالسلطة و القيادة. و قد صنف الفيلسوف سلافوي جيجيك العنف الناتج عن الأصولية الإثنية و الدينية بالعنف « الفائق الذاتية ». فلا يمكن أن أخرج إلى العالم إلا بواسطة ذاتي فلكل منا عالمه الخاص المختلف عن العالم الوحيد أي العالم المشترك kainos cosmos فالعالم أقدم من أفكارنا.
إن تسليط الضوء على مفهوم الديني في عالم الهجرة يجعلنا نسائل مدى استيعاب المجال لكينونة الفاعل الاجتماعي المهاجر. و بالضبط أماكن العبادة فهي صلة الوصل بين الإنسان و المقدس، فلا يستطيع أن يحس بقربه من المتعالي إلا حيث يتلاقى المؤمنون تحت سقف واحد و هو يرددون الأدعية. إن أماكن التعبد عرفت بديار المهجر تغييرا مبادلا لما هو عليه الحال في بلاد الأصل فالمآذن لا يستطيع أن تسمو فوق ناطحات السحاب أو أن تعلو عمارات سكنية. كما أن رفع الأذان لتحديد موعد الصلاة يصبح أمرا تعجيزيا إلا في حالة صلاة الجمعة أو العيدين. حيث تصبح القيود المفروضة على المصلين أقل من المعتاد. كما أن ديور العبادة المصطنعة تلك قد وجدت لها مكانا حديثا سمي بالمراكز الإسلامية، فهو الملتقى لمن يود أن يفهم تعاليم الإسلام و هو كذلك حاضن لأطفال المسلمين من أجل تعلم اللغة العربية و الطقوس الدينية الأخرى.
خلال زلزال الحوز عادت الأصوات السياسية التي تعتبر أن هذه الكارثة الطبيعية هي عقاب من الله، كما طفى إلى السطح التنجيم و التكهن بشأن سبب وقوع الزلزال سواء بالرجوع إلى أراء من يعتبر أنفسهم خبراء أو منجمين . كما أعطي تفسير آخر عن وقوع الزلزال بسبب مياه السدود كإشارة إلى ما تم تداول خلال الزلزال الذي ضرب تركيا. في المقابل اعترف معظم الناس بأن الهزة الأرضية هي نتاج لانكسار في قاع الأرض قد يستمر عبر تسجيل هزات أرضية خفيفة. إن هذه التفسيرات التي يتداولها الناس خلال الأزمات تؤشر على مدى استمرار تفاعل البشر مع الظواهر الكونية الكبيرة و إعطاء تفسيرات تتخذ بعدا ثقافيا. فعوض استخدام العقل الأداتي بتقديم أجوبة علمية محضة يتم التداوي ما بعد الصدمة بالشعور الديني للإنسان الضعيف أمام ما هو أعظم و جلل. إن قول البعض أنه « المكتوب» يعيدنا ما كتبه ديل أيكمان عن نظرة المغاربة إلى الكون (Word view) عبر خمسة مفاهيم كبرى و هي : « الحق» و «الحشمة» و « العار» و « المكتوب» و « العقل». فالمكتوب يحيل على الرضا و القناعة التامة بأن إرادة الله هي الأقوى و ما يلزم الإنسان سوى الخضوع. لكن البعض يذكر كذلك مفهوم الحظ « الزهر» بقليل من الحظ تمكنت من الخروج سالما. فالحظ كذلك يصبح ملازما للإنسان على الدوام كما في المثال الشعبي (كون كان الزهر الزهر عندو الزهر كاع ما يطيح من الشجرة ). فتجربة النجاة من الموت و في المقابل تجربة دفن القريب و الحبيب هي مأساة تجسد الخط فارق بين الأمل و قصر الحياة. كما يعتبر البعض أن الموت في الزلزال كالموت الفجأة يدخل الميت إلى الجنة. فعملية الدفن أصبحت في تلك اللحظة عملية ميكانيكية في قبور جماعية عوض أن تكون في مراسيم جنائزية كما هو الحال في الحياة العادية.
لقد لامسنا كذلك خلال هذه اللحظة الفارقة في تاريخ المغرب مقدار التضامن بين الشعب و تلك الحملات من الداخل و الخارج لأبناء هذا الوطن من أجل مد يد المساعدة للمتضررين. و قد عزز هذا التعاون العضوي الرابط الاجتماعي و مكن من الكشف عن عمق العلاقات الإنسانية. كما جسد ثقافة التضامن خلال الآفات و الأزمات و العمل التعاوني في أبهى حلله.
رابعا : التحول الديني و الإسلاموفوبيا
يُعبِّرُ بناء كاتدرائية نوتردام من تبرعات لدول من ديانات مختلفة من جهة عن تضامن إنساني عجيب لم يكن ممكنا لولا أن فرنسا هي مهد التنوير و ظهور العقلانية في مقابل اللاعقلانية. غير أن الاهتمام بهذه المنشأة التراثية يحيل إلى الالتباس هل الدولة الفرنسية و مواطنيها انخرطوا في محو مأساة وطنية عبر استحضار الديني رغم أنها دولة علمانية شكلا و مسيحية روحا. أما أنه إنقاد لمعلمة تاريخية تعود لحقبة بائدة من تاريخ فرنسا المسيحية. إننا أمام سجال ملتبس يجسد بدون شك تفاعلا بين الإنسان و المقدس من جهة و بين المجال و المتعالي من جهة ثانية. فكيف نفذ الإسلام الذي يعتبر ديانة أقلية إلى المجتمع الفرنسي؟ و ما هي دوافع و أسباب الهجوم على هذا الدين المنتشر حديثا ؟
إن القاسم المشترك بين المسيحية و الإسلام هو التبشير بالدين، مما يخلق تنافسا حول مجال النفوذ و عدد المنتسبين. و يسبب اختلافا في استراتيجيات الاستقطاب من طرف المؤسسات الدينية و المنتسبين لهاتين الديانتين. فإن كان الصليب الأحمر يقدم المساعدات للمحتاجين و للمتضررين في العالم خلال الأزمات والكوراث فإن الهلال الأحمر يعمل على تقديم المعونات للدول المنكوبة كذلك. استخدام رمزين يحيلان بالضرورة على نوعية الدين و له من المبررات الثقافية الشيء الكثير. لقد أصبح التنافس يحدث داخل المجال نفسه بفرنسا و وجه الإعلام نقدا لاذعا ليس إلى الإسلام كدين بل إلى الإسلاموية كنمط تفكير و ثقافة آخذة في الانتشار بالوسط الفرنسي.
و قد زاد هذا النقاش خلال الحملات الانتخابية و حتى بعد تنصيب الرئيس ماكرون الذي دعا إلى إعادة السيطرة على الإسلام الفرنسي عبر تكوين رجال الدين و تعليم اللغة العربية من طرف الدولة الفرنسية. إنه نوع من التحكم في المجال و في الممارسة الدينية.
لا يعقل أن نربط التحول الديني لدى الشعوب الغربية إلى دين الإسلام بتزايد العداء ضد الإسلام و ظهور ما يسمى ب الإسلاموفوبيا. بل إن الحديث عن الفوبيا من الإسلام
خاتمة
تود العلمانية و علمنة المجتمع أن تجعل سمة الحياد هي الطاغية في الحياة اليومية. حيث يصبح الاختلاف غير مرئي و تصير التعبيرات الدينية متجاوزة و ليس لها قيمة، مما يعمق الفجوة بين أفراد المجتمع و يؤدي لا محالة إلى مزيد من الفردانية. فرغم أن العلمانية تنشد المساواة و الحرية و التحرر و الإرادة فإنها في المقابل تخلق قلقا وجوديا لدى الأفراد و تسعى إلى العقلانية عبر تحقيق كليانية واقعية تزعم القدرة المطلقة على التدبير و التوقع استنادا إلى شبكة مفاهيمية جاهزة. فهي لا تأخذ بعين الاعتبار الحس المشترك لدى الجماعة يل تفرض عليها بناء وعي جماعي جديد مناهض تماما للتقاليد القديمة.
فالأسرة باعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، هي خزان للرأسمال الثقافي من تقاليد و عادات و قيم تمد الفرد بما يلزمه من تصورات حول المقدس و المتعالي. تجد نفسها إن كانت مسلمة أمام ضغط رهبي تمارسه علمنة المجتمع، حيث سلطتها تتهاوى كسلطة الأب و الأخ الكبير. إننا أمام مرحلة مفصلية للجماعة بين التوافق مع الثقافة الغربية و الدخول في مرحلة هدم المثل العليا بخلق ثقافة هجيبة mixte تجمع بين السمات المشتركة و المختلفة في وعاء مصطنع من الفردانية و الهامشية الاجتماعية.
لائحة المراجع
المؤلف عنوان الكتاب دار النشر الطبعة سنة الإصدار
باتريك سافيدان الدول و التعدد الثقافي توبقال للنشر الطبعة الأولى 2011
جاك لاكان انتصار الدين صفحة سبعة للنشر و التوزيع الطبعة الأولى 2023
عبد السلام بن عبد العالي منطق الخلل توبقال للنشر الطبعة الأولى 2007
أوليفيه روا نحو إسلام أوروبي دار المعارف الحكمية الطبعة الأولى 2010
بيير بورديو بعبارة أخرى : محاولات اتجاه سوسيولوجيا انعكاسية ميريت للنشر و التوزيع الطبعة الأولى 2002
جورج زيمل الفرد و المجتمع : المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا رؤية للنشر و التوزيع الطبعة الأولى 2017
دافيد لوبروتون انتروبولوجيا الجسد و الحداثة المؤسسة الجامعية للدراسات
و النشر و التوزيع الطبعة الثانية 1997
ميشيل مافيزولي مزايا العقل الحساس : دفاعا عن سوسيولوجيا تفاعلية أفريقيا الشرق
نور الدين الزهي المقدس و المجتمع أفريقيا الشرق 2011
عبد الهادي عبد الرحمن عرش المفدس : الدين في الثقافة و الثقافة في الدين دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى 2000
عبد الغني منديب الدين و المجتمع : دراسة سيوسيولوجية للتدين المغربي افريقيا الشرق 2006
عبد الغني عماد سوسيولوجيا الهوية : جدليات الوعي والتفكك و إعادة البناء مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى 2017
جورج قرم المسألة الدينية في القرن الواحد و العشرين دار الفارابي الطبعة الأولى 2007
سلافوي جيجيك سلافوي جيجيك المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات الطبعة الأولى 2017
فتحي المسكيني الكوجيطو المجروح : أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة دار الأمان الطبعة الأولى 2013