إكرام السلكاني
الأمثال المغربية ليست مجرد كلماتٍ تتناقلها الألسن، بل هي خلاصة تجاربٍ إنسانية صاغها الأجداد بحكمةٍ وبصيرة، وجعلوا منها مفاتيح لفهم الحياة، ودروبًا تُضيء سُبل العيش بين الناس. فهي مرآة لثقافتنا الشعبية، ومخزون لقيمنا الإنسانية العميقة.
ومن بين هذه الدرر التي زيّنت الذاكرة المغربية، المثل القائل:
“شكون قال الخسارة خسارة والربح ربح؟ شحال من خسارة ربح، وشحال من ربح خسارة. كاين اللي ربح وخسر نعاسو وناسو، وكاين اللي فـالخسارة عاد عرف قيمة راسو.”
كلمات قليلة، لكنها تختزل فلسفة الحياة كلها: فليست كل خسارة شرًّا، ولا كل ربحٍ خيرًا. أحيانًا نخسر شيئًا فنربح وعياً، ونفقد مالًا فنكسب راحة البال، وربما نهزم اليوم لنفوز غدًا. فالحياة بين مدٍّ وجزر، بين ربحٍ وخسارة، والموفّق من يستخلص من كل تجربةٍ درسًا يقرّبه من النضج والنجاح.
علينا أن نصغي إلى صوت أجدادنا في أمثالهم، وأن نستلهم منها العِبر، فلا نيأس عند الفشل، ولا نغترّ عند النجاح، لأن طريق الحياة لا يُعبَّد إلا بالمحاولات والتجارب.
وفي سياق آخر، نسمع كثيرًا في أيامنا هذه من يقول: “فين الصحبة؟” أو “مابقات صحبة فهاد الدنيا!”، تساؤلٌ يحمل بين طيّاته حنينًا دفينًا إلى زمنٍ كانت فيه الصداقة عنوانًا للصدق، لا مصلحة فيها ولا رياء.
نشتاق إلى الماضي، لا لأننا نرفض الحاضر، بل لأن الماضي كان أكثر دفئًا وإنسانية. كان الناس متلاحمين، يجمعهم الودّ والاحترام، وكانت العلاقات تمتدّ كأغصان شجرةٍ وارفة الظلال، تؤوي الجميع في ظلّها. أما اليوم، فقد تباعدت القلوب، وسادت الأنانية والغيرة، وغاب الصفاء الذي كان يُنعش الأرواح.
وعندما تضيق الأحوال وتشتدّ الصعاب، تتغيّر النفوس وتُعمى البصائر، كما يقول المثل المغربي العميق:
“ملي يتهوال ويضيق الحال، كتفكر القلوب وتعمى البصيرة.”
لقد تبدّلت القيم حتى صار كثير من الناس لا يفرّقون بين الخير والشر، ولا بين الحلال والحرام، مصداقًا للمثل القائل:
“شكون يفرّق الحلال من الحرام؟ فوق البير يفرش لخوه الحصيرة.”
في إشارةٍ مؤلمة إلى تلاشي الضمير الإنساني وتبدّد الإخلاص.
فإلى متى سنبقى أسرى هذا الانحدار الأخلاقي؟
أين ذهبت المروءة والصدق والصفاء؟
وأين هي الصداقة الحقيقية التي تُزرع في القلوب لا في المصالح؟
إن العودة إلى أمثالنا ليست حنينًا للماضي فحسب، بل دعوةٌ لاستعادة المعنى المفقود، واستلهام الحكمة التي اختبرها أجدادنا في بساطة عيشهم وعمق تفكيرهم.
فلنُصغِ إليهم… فربّ كلمةٍ قديمة تُعيد للحياة نبضها، وللإنسان إنسانيّته