لا شك أن واقعة اقتحام مقر موقع برلمان.كوم ليست أول اختبار في العلاقة المتوترة بين وزارة الداخلية والصحافة، فقد سبق أن عانى عدد من الصحفيين والصحفيات من الشطط في استعمال السلطة، ومنعهم من تغطية أحداث ساخنة تكشف بعض الممارسات التي تمس بكرامة الإنسان، جراء التدخلات القوية لفض تظاهرات وطنية ،بل إن هناك حالات تكاد تكون “هزلية”، أتذكر إحداها كما روتها لي طالبة متدربة بمعهد الصحافة، كانت تجتاز فترة التدريب بجريدة حزبية كان يشغل مدير نشرها منصبًا نقابيًا وعضوًا في المجلس الوطني للصحافة، إذ تم منعها من تغطية إعلامية بسيطة بالرباط من طرف أعوان السلطة والقوات المساعدة، رغم أن التغطية كانت تقتصر فقط على أخذ آراء المصطافين، ولا تشكل أي تهديد أمني، غير أن قائد المقاطعة رفض ذلك، وطلب من الطاقم الصحفي إنجاز الروبورتاج في منطقة أخرى حيث مقر الجريدة ، هذا التصرف أثار استياء الطالبة، التي ازداد استغرابها بعدما تواصلت مع مدير النشر، فطلب منها مغادرة
المكان قائلًا: “واش غا ندابزو معهم؟”

وقائع احتكاك الصحافة مع رجال السلطة كثيرة، ولا يمكن حصرها، رغم أن الصحافة في المغرب غالبًا ما تتحلى بالعقلانية، وتغلب المصلحة العليا للوطن، تجنبًا للإساءة إلى صورة البلاد في المحافل الدولية، من خلال نقل بعض الانزلاقات التي لا تشرف، مثل طريقة التعامل مع ملفات حساسة كالأراضي السلالية، وإعادة إيواء قاطني دور الصفيح، وتحرير الملك العمومي، وربما التجاوزات والاختلالات التي تعرفها صفقات التعمير، والتي تحوم حولها شبهات فساد،
ولا يسعنا هنا إلا أن نتوقف عند فضيحة “هرهورة بارك”، وتوقف المشروع وسط حديث عن تمرير الصفقة إلى شركة عقارية بتمارة ،ولا حاجة للخوض أكثر في الموضوع، الذي لو تم فتح تحقيق جاد بشأنه، لربما كانت ستسقط رؤوس ، لكن، وللأسف، يبدو أن الداخلية لا تجد قوتها إلا في التضييق على موقع برلمان كوم، الذي لم يقم سوى بمحاولة إعادة طلاء مقره، وهو أمر لا يتطلب رخصة، لكن ربما دخلنا في مرحلة جديدة من التضييق على الصحافة، ظننا أننا تجاوزناها بعد العفو الملكي عن مجموعة من الصحفيين.

نحن نختلف مع موقع “برلمان كوم”  في خطه التحريري، لكن وفقًا لأخلاقيات المهنة، فإننا ملزمون بالتضامن معه في هذه المحنة ،ومن الضروري إعادة النظر في طريقة تعامل وزارة الداخلية مع الصحافة، بما يضمن الاحترام المتبادل، وفي إطار القانون، بعيدًا عن التعسف والشطط في استعمال السلطة، ومحاولات تكميم الأفواه المنتقدة لطريقة تدبير وزارة الداخلية وولاية الرباط لعدد من الملفات ، وربما يؤدي استفزاز الصحافة إلى تأجيج الأوضاع، خصوصًا أن هناك ملفات كثيرة فوق صفيح ساخن، وقد تثير غضبًا واحتقانًا اجتماعيًا يؤدي إلى احتجاجات قد تحرق الأخضر واليابس، وهو ما لا نريده، ونتجنبه، ونتفادى إثارة المواضيع التي قد تُفضي إليه ونلتزم بأخلاقيات المهنة وتغليب المصلحة الفضلى للوطن عن أي حدث مهما كانت أهميته .
كل التضامن مع موقع برلمان كوم، ونتمنى أن يتدخل عقلاء هذا الوطن، ويدرك من يهمه الأمر أن احترام الصحافة هو احترام للوطن، وللمواطنين، وللمؤسسات الدستورية.