صحيفة بلوس / الرباط
عاد إلى الواجهة من جديد موضوع تسبيق صرف أجور موظفي القطاع العام تزامناً مع اقتراب عيد الأضحى، باعتباره إجراء (اجتماعيا)يروم تخفيف الضغط المالي على الأسر المغربية. غير أن هذا القرار، رغم ما يحمله ظاهريا من بعد تضامني، يثير نقاشا عميقا حول جدواه الحقيقية وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية، بل ويكشف في العمق عن اختلالات بنيوية في تدبير القدرة الشرائية والسياسات الاجتماعية بالمغرب.
من الناحية الاقتصادية، فإن تسبيق صرف الأجور لا يمثل زيادة فعلية في الدخل ولا يشكل دعما حقيقيا للقدرة الشرائية، بل هو مجرد تقديم زمني لأموال الموظف نفسه. فالموظف الذي يتوصل بأجره قبل موعده المعتاد سيجد نفسه، بعد أيام العيد، أمام فترة طويلة نسبياً دون موارد مالية جديدة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم اللجوء إلى الاستدانة والاستهلاك غير المتوازن. وبالتالي، فالقرار لا يعالج أصل الإشكال المرتبط بضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، وإنما يؤجل الأزمة لبضعة أيام فقط.
كما أن لهذا الإجراء آثارا غير مباشرة على السوق، إذ غالباً ما يؤدي ضخ السيولة بشكل جماعي ومبكر إلى ارتفاع الطلب الاستهلاكي بشكل ظرفي، خصوصاً في فترة عيد الأضحى التي تعرف أصلا إرتفاعا كبيرا في أسعار الأضاحي والمواد الغذائية والخدمات المرتبطة بالمناسبة. وفي ظل غياب مراقبة فعالة للأسعار والمضاربة، يتحول تسبيق الأجور عمليا إلى عامل إضافي يساهم في رفع الأسعار بدل حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
أما اجتماعيا،فإن هذا القرار يعكس نوعا من (التطبيع)مع الأزمة بدل معالجتها. فبدل أن تعمل السياسات العمومية على تحسين الأجور، ومحاربة الغلاء، وضبط الأسواق، يتم اللجوء إلى حلول ظرفية ذات طابع نفسي وإعلامي أكثر من كونها حلولا هيكلية. والأسوأ أن هذا النوع من القرارات يكرس لدى جزء من المواطنين شعورا بأن المناسبات الدينية، وعلى رأسها عيد الأضحى، أصبحت تشكل عبئا ماليا يفوق القدرة الحقيقية للأسر، ما يدفع العديد منها إلى الاقتراض أو التضحية بتوازنها المالي فقط من أجل مجاراة الضغط الاجتماعي المرتبط بالعيد.
وعلاقة القرار بعيد الأضحى ليست بريئة اقتصاديا. فهذه المناسبة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى موسم استهلاكي ضخم تتحرك فيه مختلف القطاعات التجارية، من بيع الأضاحي إلى النقل والمواد الغذائية والملابس. وبالتالي، فإن تسبيق الأجور يخدم بشكل غير مباشر دينامية السوق والاستهلاك أكثر مما يخدم الاستقرار المالي للموظف. فالسيولة التي تُضخ قبل العيد تعود بسرعة إلى السوق، بينما يبقى الموظف هو الحلقة الأضعف بعد انتهاء المناسبة.
ثم إن هذا القرار يطرح إشكالا يتعلق بمبدأ العدالة الاجتماعية، لأن أثره يظل محصورا أساسا في فئة الموظفين، في حين أن فئات واسعة من المغاربة، خاصة العاملين في القطاع غير المهيكل أو العاطلين أو ذوي الدخل المحدود، لا تستفيد من أي إجراء مماثل رغم أنها الأكثر هشاشة أمام تكاليف العيد وارتفاع الأسعار.
إن معالجة الأوضاع الاجتماعية لا يمكن أن تتم عبر إجراءات ظرفية ذات طابع مناسباتي، بل عبر سياسات عمومية حقيقية تقوم على تحسين الدخل، ومحاربة المضاربة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان التوازن بين الأجور ومستوى المعيشة. أما تسبيق صرف الأجور، فرغم تقديمه كحل اجتماعي، فإنه في العمق يبقى مؤشرا على عجز السياسات الاقتصادية عن إنتاج حلول مستدامة، واكتفاء الدولة بتدبير الأزمات بشكل مؤقت بدل معالجتها من جذورها.