صحيفة بلوس / يوسف

في عدد من المدن المغربية، لم يعد التسول مجرد مشهد عابر في الفضاء العام، بل أصبح ظاهرة حضرية تتخذ أشكالاً متعددة وتطرح أسئلة عميقة حول تدبير المجال العام والتوازن بين البعد الإنساني والنظامي. وجماعة تمارة، باعتبارها مجالاً حضرياً نشيطاً، تعيش بدورها على إيقاع هذه الظاهرة التي أصبحت أكثر حضوراً عند إشارات المرور ومحيط المقاهي.

عند إشارات المرور، يتكرر المشهد بشكل يومي: توقف قصير للسيارات، نافذة تُفتح بسرعة، وأيدٍ تمتد في لحظة زمنية لا تتجاوز ثوانٍ. هنا، يتحول “الضوء الأحمر” من إشارة مرورية لتنظيم السير إلى فرصة تُستغل لاستدرار العطف. بعض الحالات تعتمد على الإيحاء بالهشاشة الاجتماعية، وأخرى تستند إلى تواجد متكرر يخلق نوعاً من الاعتياد لدى مستعملي الطريق.

أما في محيط المقاهي، فالظاهرة تأخذ طابعاً مختلفاً، حيث يصبح الفضاء شبه العام مجالاً دائماً للحركة بين الطاولات أو الوقوف قرب المداخل، في تفاعل مباشر مع الزبناء. ومع مرور الوقت، يتحول هذا المشهد إلى جزء مألوف من الحياة اليومية، رغم ما يثيره من نقاش حول حدود استعمال الفضاء العام.

غير أن أخطر ما يميز هذه الظاهرة في بعض الحالات هو حضور الأطفال في مشهد التسول. أطفال من المفترض أن يكونوا داخل الفصول الدراسية، يتواجدون في الشارع وفي نقاط مزدحمة بالحركة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مسار الحماية الاجتماعية والتربوية. فوجود الطفل خارج المدرسة ليس مجرد حالة فردية، بل مؤشر على اختلالات أعمق تمس الأسرة والمدرسة وآليات المراقبة والحماية.

هذا المعطى يفتح النقاش حول المسؤوليات المتداخلة: مسؤولية الأسرة في ضمان التمدرس، ومسؤولية المجتمع في عدم التطبيع مع هذا الوضع، ومسؤولية المؤسسات في تتبع حالات الهدر المدرسي وحماية الطفولة من الاستغلال في الفضاءات العامة.

من جهة أخرى، لا يمكن اختزال ظاهرة التسول في بعدها الإنساني فقط، رغم أن جزءاً منها يرتبط فعلاً بالفقر والهشاشة الاجتماعية. فهناك أيضاً أنماط تتكيف مع المجال الحضري وتستغل النقاط الأكثر حركة، ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيداً وتداخلاً بين الاجتماعي والتنظيمي.

وبين المقاربة الإنسانية والمقاربة النظامية، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد توازن يحفظ كرامة الأشخاص في وضعية هشاشة، وفي نفس الوقت يحمي الفضاء العام من الفوضى، ويعيد الاعتبار لدور المدرسة كفضاء أساسي لتنشئة الأطفال بدل الشارع.

في النهاية، ما يحدث عند إشارات المرور وفي محيط المقاهي بتمارة ليس مجرد سلوك يومي عابر، بل هو مرآة لواقع اجتماعي يحتاج إلى قراءة أعمق، تتجاوز التوصيف السطحي نحو حلول عملية تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، دون التفريط في النظام العام ولا في كرامة الفضاء الحضري.