صحيفة بلوس / تمارة

لم يعد التسول في شوارع تمارة مشهداً عابراً يثير الشفقة أو يدعو إلى التعاطف اللحظي، بل أصبح ظاهرة لافتة تفرض نفسها بقوة على الفضاء العام، وتطرح أسئلة عميقة حول طبيعتها وخلفياتها. فمن مناطق حيوية مثل مدار ميلانو إلى شارع مولاي علي الشريف، يتكرر حضور شباب ومراهقين، ذكوراً وإناثاً، يعترضون المارة بأساليب مدروسة، مستندين إلى روايات إنسانية مؤثرة سرعان ما يتبيّن، في كثير من الحالات، أنها مفبركة بإتقان.

اللافت في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في انتشارها، بل في تحوّلها النوعي. لم يعد الأمر يتعلق بطلب مباشر للمساعدة، بل بأسلوب “احترافي” يقوم على الإقناع، واستهداف فئات بعينها من المارة، واستخدام خطاب عاطفي مضبوط. بعض هؤلاء الشباب يبدون قدرة ملحوظة على التمثيل والتأثير، ما يوحي بأن الأمر يتجاوز السلوك العفوي نحو ممارسة شبه منظمة.

وتزداد علامات الاستفهام حين يُلاحظ تنقّل بعضهم  بين نقاط مختلفة في المدينة، في مشهد يطرح احتمال وجود تنسيق أو توجيه غير معلن. ورغم غياب معطيات رسمية تؤكد وجود شبكات منظمة، فإن تكرار نفس الأساليب وتشابه الروايات يفتح الباب أمام فرضية الاستغلال الممنهج لفئات في وضعية هشاشة.

غير أن اختزال الظاهرة في بعدها “التنظيمي” فقط قد يكون تبسيطاً مخلاً. فخلف هذه الممارسات تقف عوامل اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها، من بينها البطالة، والانقطاع المدرسي، وضعف التأطير الأسري. وهي ظروف تدفع بعض الشباب إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، حتى وإن كانت قائمة على التحايل واستدرار العطف.

لكن الخطر الحقيقي لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد القيمي. حين يتحول الكذب إلى وسيلة عادية للكسب، ويصبح التحايل سلوكاً مقبولاً في الحياة اليومية، فإن ذلك يهدد منظومة الثقة داخل المجتمع. ومع تكرار هذه الممارسات، قد يفقد المواطنون حس التعاطف، ليس فقط تجاه المحتالين، بل أيضاً تجاه المحتاجين الحقيقيين، الذين يجدون أنفسهم ضحايا غير مباشرين لهذه الظاهرة.

أمام هذا الواقع المركّب، تبدو المقاربة الأمنية ضرورية، خاصة في حال ثبوت وجود استغلال منظم، لكنها تظل غير كافية لوحدها. فالمعالجة الفعالة تقتضي رؤية شمولية تتجاوز الردع إلى الوقاية، عبر تعزيز أدوار الأسرة، وتوسيع برامج الإدماج الاجتماعي، وخلق فرص حقيقية للشباب في وضعية هشاشة.

كما تبرز الحاجة إلى مبادرات ميدانية ملموسة، مثل برامج التكوين المهني القصير، ومواكبة الشباب المنقطعين عن الدراسة، إلى جانب حملات توعوية تعيد الاعتبار لقيم العمل والكرامة، وتُعيد بناء الثقة داخل المجتمع.

إن ما تعيشه تمارة اليوم ليس حالة معزولة، بل يعكس تحوّلات أوسع يعرفها المجتمع. وبين الحاجة الحقيقية والتلاعب المنظم، وبين الهشاشة والاستغلال، يظل التحدي الأكبر هو تحقيق توازن دقيق: حماية المجتمع من الانزلاقات، دون أن نفقد إنسانيتنا تجاه من هم في حاجة فعلية إلى الدعم.