يشكل قرار تقسيم دائرة المنارة التشريعية إلى دائرتين انتخابيتين، لكل منهما مقعدين تحولا نوعيا في المشهد الانتخابي بعمالة مراكش، إذ لم يعد الأمر مجرد تعديل تقني في الخريطة الانتخابية، ولكن أصبح مدخلا لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية على نحو عميق، في هذا السياق قد يبرز مستقبلا ترشح عبد الرحيم العميم وعبد الرزاق أحلوش عن حزب الاستقلال كخطوة ذات أبعاد استراتيجية، خاصة وأن التقسيم الجديد سيتيح لهما إعادة توزيع المجال الانتخابي بما يمنح لكل منهما هامشا واسعا للتحرك دون التنافس على نفس القاعدة الناخبة، وهو ما يتوقع أن يحدث أثرا مباشرا على حظوظ حزب التجمع الوطني للأحرار الذي استفاد سابقا من وحدة الدائرة وقوة مرشحيه بجماعة سعادة التي تشكل نقط وصل وترابط بين مقاطعة المنارة و الجماعات القروية الأخرى.

فعلى المستوى الجغرافي، تقسيم دائرة المنارة إلى دائرتين متكاملتين: الأولى هي دائرة المنارة الشمالية، التي تشمل جماعة سيد الزوين، الأوداية الشمالية، السويهلة الشمالية، جماعة سعادة، ومقاطعة الحي الحسني، وهي المناطق التي سيترشح فيها عبد الرحيم العميم مستفيدا من حضوره الانتخابي القوي في جماعة سعادة ودعم عبد الرزاق أحلوش من خلال قلعته الانتخابية بجماعة السويهلة . أما الدائرة الثانية، وهي دائرة المنارة الجنوبية، فتضم مقاطعة المنارة، الأوداية الجنوبية، السويهلة الجنوبية، جماعة أيت ايمور وجماعة أكفاي، حيث سيترشح عبد الرزاق أحلوش في فضاء انتخابي يتميز بثقل ديمغرافي مهم وبحضور حضري متزايد، ما يمنحه قاعدة واسعة للتحرك الانتخابي في دائرة انتخابية يفقهها جيدا وسبق أن نال منها مقعدا برلمانيا .

إن هذا التقسيم سيسمح للمرشحين معا بتوزيع الجهد الانتخابي على نحو متكامل بدل التنافس الانتخابي القروي وسيسنده الحضور القوي التاريخي لحزب الاستقلال بالمقاطعة الحضرية المنارة، وهو ما سيقلل من تشتت الأصوات ويضاعف من حظوظ الحصول على المقاعد الاثنين من بين الأربع المخصصة للدائرتين. فالتنسيق الضمني بين العميم وأحلوش، من خلال التركيز على الجماعات القروية، يشكل عمليا ما يمكن تسميته تحالفا انتخابيا منطقيا، حيث يتكامل الطرفان في الحملة والجهد التنظيمي دون إضعاف فرص بعضهما البعض، ومن شأن هذا التكامل أن يخلق كتلة انتخابية صلبة قادرة على كسر التوازن الذي منح التجمع الوطني للأحرار موقعا مهيمنا في دائرة المنارة سنة 2021.

الأثر المباشر لهذا التحول سيظهر في فقدان حزب التجمع الوطني للأحرار لمقعدين انتخابيين كان سيستفيد منهما في ظل بقاء العميم وجماعة سعادة تحت جناحي الحمامة، إذ إن تقسيم المجال الانتخابي وتنسيق الجهود بين مرشحي حزب الاستقلال المستقبليين لا يقف عند حدود الحسابات المحلية فقط، وإنما يجد دعمه في التحالف العام القائم بين حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، حيث يتجه الحزبان نحو تنسيق استراتيجي أوسع يستهدف إعادة توزيع موازين القوى على الصعيد الوطني، ويجعل من٧ الإطاحة بنفوذ حزب الأحرار هدفا سياسيا مشتركا يتجاوز حدود دائرة المنارة ليشمل المشهد الانتخابي بأكمله.

إن ما يحدث اليوم في دائرة المنارة يعكس أعمق من مجرد سباق انتخابي، ولكن يعبر عن تحول في الثقافة السياسية المحلية نحو منطق التحالفات الاستراتيجية السياسية، حيث يغدو توزيع الجغرافيا الانتخابية وتكامل المرشحين عنصرا حاسما في إعادة صياغة المشهد السياسي، كما يطرح هذا التحول أسئلة أوسع حول قدرة الأحزاب المهيمنة على التكيف مع واقع جديد تتراجع فيه الحظوظ الفردية لصالح التحالفات الانتخابية الذكية، وحيث تصبح الخريطة الترابية عاملا محددا للنتائج أكثر من أي وقت مضى، حتى في تصور آخر ولو لم يكن هناك تقسيم لدائرة المنارة فإن التحالف الثنائي قد يلعب على ورقة لعميم (في حزب مواز لهذا التحالف ) كشخصية سياسية جديدة وكجماعة ترابية تمثل وزنا انتخابيا و نواة إلتقائية، في خطة سياسية مدروسة .

يبدو أن دائرة المنارة المقرونة بترشح عبد الرحيم العميم في صيغتها المتكاملة، والمدعومة بتحالف وطني واسع بين حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، تمثل لحظة مفصلية في إعادة ترتيب التوازنات الحزبية بمراكش، وتكشف عن مرحلة انتخابية مقبلة هدفها السقوط المدوي لحزب التجمع الوطني للأحرار بانتخابات 2026 .