بقلم منير نافيع

بعد أكثر من عقدين على تولي جلالة الملك محمد السادس العرش، تبدو معالم المشروع الملكي واضحة: مغرب جديد، بمقاربة تنموية متجددة، وسلوك دبلوماسي هادئ ولكن حاسم، وجغرافيا متصالحة مع ذاتها. هذه الرؤية لم تكن محض شعارات، بل تمثلت في سياسات عمومية موجهة، ومشاريع كبرى متناسقة، تراكم التحول دون ضجيج، وتعيد رسم أدوار الجهات والأقاليم ضمن وحدة الدولة الوطنية.

القضية الوطنية: من منطق الدفاع إلى مقاربة تثبيت السيادة

تغيرت معالم تدبير ملف الصحراء المغربية بشكل واضح منذ أوائل العقد الثاني من القرن 21. فقد انتقل المغرب من خطاب الدفاع عن الوحدة الترابية إلى منطق تثبيت السيادة في الواقع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي. وترجم ذلك من خلال التوسيع المتزايد للتمثيليات الدبلوماسية في مدن الصحراء (أزيد من 30 قنصلية)، والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، فضلا عن دعم أوربي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي.

في السياق ذاته، اختار المغرب أن يجعل من الأقاليم الجنوبية مختبرا لتفعيل الجهوية المتقدمة، ومجالا لتطبيق نموذج تنموي خاص، يقوم على مبدأ التكامل بين البعد الترابي ومقتضيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2015 كان بمثابة إعلان ضمني عن نهاية منطق “الرمزية” في التعامل مع الصحراء، لصالح مقاربة تنموية مُمَكنة. فبغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم، رصدت مشاريع إستراتيجية تتجاوز النجاعة الاقتصادية، إلى ترسيخ حضور الدولة في أقصى الجنوب.

ميناء الداخلة الأطلسي: مشروع استراتيجي يعكس موقع المغرب كبوابة أطلسية لإفريقيا.

الطريق السريع تزنيت–الداخلة: ليس مجرد بنية لوجستية، بل رابط عضوي بين المركز والجنوب.

الطاقات النظيفة: الداخلة تتحول تدريجيا إلى قطب بيئي للتجارب الطاقية المستدامة، خاصة في الهيدروجين الأخضر.

البنية الاجتماعية: تقوية المؤسسات الجامعية والصحية كمؤشرات على دمج الصحراء في دورة التنمية الوطنية.

لم يكن الحضور التنموي في الجنوب معزولًا عن بقية التراب الوطني، بل جاء ضمن هندسة ترابية جديدة، تعيد توزيع الثقل الاقتصادي والجغرافي داخل المملكة. فالمغرب، الذي أنجز أزيد من 2100 كلم من الطرق السيارة، وميناء طنجة المتوسط المصنف الأول قاريا، وأطلق القطار فائق السرعة، يتجه اليوم نحو التخفيف من تمركز الثروة في محور الرباط–الدار البيضاء، لفائدة امتدادات ترابية أوسع.

وقد انعكس هذا التوجه في دعم المناطق الصناعية الجديدة، وتشجيع الاستثمارات في مدن مثل القنيطرة، فاس، أكادير، والعيون، ما يشكل تحولا في تصور الدولة لوظائف المجال.

أدركت الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك أن السيادة لم تعد فقط مسألة ترابية أو رمزية، بل باتت ترتبط بالقدرة على استقطاب الاستثمار النوعي، وتوطين الصناعات المستقبلية. وهكذا أصبح المغرب منصة صناعية إفريقية في مجالات السيارات، الطيران، والطاقات المتجددة، مع شراكات نوعية مع فاعلين دوليين كبار مثل رونو، بي إس آ، بوينغ، وإيبيردرولا.

وقد شكلت الداخلة والعيون امتدادا لهذا التوجه، حيث جرى ربطهما بشبكة لوجستية وطاقية تستجيب للمعايير الدولية، واستقطبت استثمارات في الصناعات البحرية، والفلاحة الصحراوية، والسياحة البيئية.

في مقاربة الملك محمد السادس، ليست الرياضة أو السياحة مجرد أنشطة اقتصادية أو ترفيهية، بل أدوات استراتيجية تعزز صورة الدولة، وترسخ حضورها الرمزي داخليًا وخارجيا. وقد جسد تأهل المنتخب الوطني إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 لحظة وطنية غير مسبوقة، حوّلها جلالة الملك إلى فرصة لتعزيز الارتباط الهوياتي بين المغاربة.

أما على مستوى السياحة، فقد تجاوز المغرب عتبة 14 مليون سائح سنويا، مدعوما باستراتيجية تنويع العروض، وفتح خطوط جوية جديدة، ودمج السياحة الصحراوية ضمن العروض الوطنية، مما يجعل الأقاليم الجنوبية جزءًا من الاقتصاد السياحي الوطني.

يتميّز النموذج المغربي في عهد جلالة الملك محمد السادس بقدرته على المواءمة بين الاستقرار السياسي والدينامية التنموية. فهو نموذج لا يراهن على القطيعة، بل على التراكم، ويشتغل في صمت، لكن بأثر بعيد المدى. وهو ما جعل من المغرب حالة فريدة في شمال إفريقيا، تجمع بين صلابة المؤسسات ومرونة التكيف، وبين الحفاظ على السيادة وتوسيع الشراكات.

في هذا السياق، تظل الأقاليم الجنوبية عنوانا لنجاح هذا النموذج، الذي أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجال، وجعل من التنمية أداة لترسيخ الشرعية، وبناء الثقة، وصناعة المستقبل